29.10.08

علاقات متوترة بين الشرطة الدينية والصحافة

بقلم حبيب طرابلسي
ترجمة وداد زداني

قامت حرب مفتوحة بين "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" والصحافة السعودية على رأسها صحيفة "الوطن" التي وقعت في الماضي ضحية لمواجهة بين هذا الجهاز الحكومي المتشدد والتيار اللبرالي في المملكة العربية السعودية المحافظة جدا.

الهيئة: من الخير لكم أن تفهموا
"هناك فئة ضالة تريد أن تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف"، هذا ما صرّح به الشيخ ابراهيم بن عبد الله الغيث، رئيس الهيئة، يوم الأحد 26 أكتوبر خلال نقاش حول "توتر العلاقة بين الإعلام المقروء والهيئة"، في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة.

لقد تفاقم هذا التوتر الذي نجم عن الانتقادات الشديدة للطرق العنيفة المستعملة من قبل أعضاء الهيئة لفرض تطبيق الشريعة الإسلامية، بعد حدثين، في المدينة المنورة والرياض، أثارا استياءً لدى الإصلاحيين ضد الأعضاء الميدانيين للهيئة (الشرطة الدينية أو "رجال الحسبة" أو "المطاوعة") التي يعتبرونهم عقبة أمام أي انفتاح في المملكة.

اعترض الشيخ الغيث قائلا: "إن بعض وسائل الإعلام تضخم أخطاء أفراد الهيئة، وينشرونها في الصفحة الأولى بعناوين بارزة ، غير أنهم لا ينشرون ردود الهيئة عليها، وإن نشروها ففي صفحات داخلية" منددا بسياسة "الكيل بمكيالين"، أمام ما يزيد عن 500 طالب من طلاب الجامعة الإسلامية بالإضافة إلى عدد كبير من الإعلاميين.

وتفادى الشيخ الغيث الإجابة على سؤال حول الأحداث الأخيرة الخاصة بأعضاء هذه الشرطة منها عمليات مطاردة بالسيارة يوم 5 أكتوبر المنصرم في المدينة والرياض، ضد زوجين مشتبه بخرقهم قاعدة الفصل القطعي بين الجنسين. واكتفى الشيخ الغيث بالقول أن "الهيئة لا تريد أن تدخل في أية مهاترات مع وسائل الإعلام حتى لا يتسلق بعض المراسلين على أكتاف جهاز الهيئة".

كما ذكّر الشيخ الغيث لمناوئي هذه الشرطة التي كان يهابها الناس في الماضي القريب ولكنها تتعرّض منذ أشهر لانتقادات حادّة: "جهاز الهيئة ليس بجمعية خيرية وإنما هو جهاز حكومي مرتبط بمجلس الوزراء وله رئيس بمرتبة وزير".

اغتنم الشيخ الغيث هذه الفرصة ليحسم الأمر أمام الشائعات حول دخول العنصر النسائي في الهيئة، فقال: "الهيئة (ذكورية) 100 بالمائة ولا مجال في المستقبل القريب لإدخال العنصر النسائي في عمل الهيئة".

إن التيار اللبرالي المؤلّف خاصة من مثقفين ورجال أعمال والذي يبدو أنه يسير في اتجاه التاريخ، يدافع بشدة عن حقوق المرأة، خاصة حقها في قيادة السيارة.

الوطن: الصحيفة "المعارضة" والناقدة
للمفارقة، كانت صحيفة "الوطن" التي تعتبر الناقد التقليدي للهيئة، الصحيفة الوحيدة التي نقلت يوم الاثنين مقاطع كبيرة من دعوة الشيخ الغيث الحازمة لالتزام النظام، وتبعتها في ذلك يوم الثلاثاء صحيفة "الحياة".
http://www.alwatan.com.sa/news/newsdetail.asp?issueno=2950&id=75350&groupID=0http://ksa.daralhayat.com/local_news/regions/10-2008/Article-20081027-3fbee40b-c0a8-10ed-011c-4d1630e24e2b/story.html\

من جهته، وبتاريخ 15 أكتوبر– تشرين الأول، نقل الموقع الإعلامي "ايلاف"، القريب من التيار اللبرالي وذو الشعبية الكبيرة في العالم العربي، أن "عددا من أعضاء الهيئة تقدموا بشكوى ضد صحيفة "الوطن" وضد محررها الذي تابع تفاصيل القضية منذ حدوثها" والتي تـُوّجت حسب العديد من الصحف بارتطام عدة سيارات تضررت بسبب الشاب قبل توقيفه وإشباعه ضربا من قبل "المطاوعة".

ورغم تشكيل لجنة للتحقيق مع المتورطين الذين أوقفوا عن العمل الميداني، أصرّ هؤلاء على اتهام صحفي "الوطن" بـ"الكذب" وهذا ما يخالف صور السيارات المتضررة التي نشرتها الصحيفة التي أشارت إلى وجود أدلة مادية لديها عبارة عن تسجيلات صوتية ومقاطع فيديو عن الحادثة.

"ما زال أفراد الهيئة يستخدمون سياسة الإنكار ومحاولة النفي القاطع ولا أعلم إن كان الكذب لا يعتبر منكرا"! كما قال ساخرا "مراقب مطلع" لـ"ايلاف".
http://www.elaph.com/Web/Entertainment/2008/10/374183.htm

في شهر مايو-ايار 2003، خضعت السلطات السعودية العليا لضغط رجال الدين المحافظين جدا، بإقالة رئيس التحرير، جمال خاشقجي، بعد نشر عدة افتتاحيات ومقالات ناقدةً ل"المطاوعة" بصراحة.

ثم عُيّن خاشقجي مستشارا إعلاميا لدى السفارة السعودية في واشنطن من 2004 إلى2007 قبل أن يعود إلى منصبه الأول كرئيس تحرير صحيفة "الوطن" التي تعتبر اليوم من جديد تحت "مجهر" الهيئة.

الملك يضع حدا للتجاوزات
دخلت المملكة العربية السعودية منذئذ في "حقبة تغيرات" منذ وصول الملك عبد الله إلى السلطة في شهر أغسطس-آب 2005 فاتسع هامش الشفافية وحرية التعبير. حتى الشرطة الدينية المخيفة لم تعد في منآى عن الانتقادات، كما يقول أغلبية المثقفين السعوديين.

لكن هذه المرة، حذر الملك عبد الله الذي طالما ألحّ على "النقد الهادف المتزن"، وسائل الإعلام من كل انحراف.
"العالم الآن في حرب خفية اقتصادية ولا بد من مراعاة الدين والوطن، بعيدا عن مصلحة أشخاص لأن الاقتصاد هو أساس كل شيء. هذا ليس انتقاد ولكن تنبيه"، كما أنذر الملك عبد الله لدى استقباله يوم السبت 25 أكتوبر- تشرين الأول الماضي، رؤساء تحرير الصحافة المكتوبة السعودية.
http://www.alwatan.com.sa/news/newsdetail.asp?issueno=2949&id=75086&groupID=0
يبدو أن هذا الإنذار أعطى مفعوله إذ خلال الأيام الثلاثة الأخيرة لم تعد الصحف بما فيها صحيفة "الوطن" تذكر الهيئة إلا
للتذكير بمآثر "رجال الحسبه".

ففي الطائف (جنوب غرب البلاد)، "تمكنت الهيئة من إحباط مخطط سحري لسرقة مؤسسة نقد من قبل مشعوذين
سودانيين اثنين". في الباحة (جنوب غرب البلاد)، "أنهت الهيئة معاناة مراهق ابتزه ثلاثة مجرمين". وفي تبوك (شمال غرب البلاد)، قبضت الهيئة على رجل متزوج هدد فتاة"، كما قرأنا في وسائل الإعلام مع تعليقات القراء المجاملة والمنظور بها احتمالا.

كما أكّد محمد عبد اللطيف الشيخ، رئيس تحرير الجزيرة، يوم 28 أكتوبر-تشرين الأول أن: "نحن ككتاب وكصحافة نعيش في عهد الملك عبد الله، حفظه الله، هامشا من الحرية لم نعرفه في الماضي. (...) ولكي لا نخسر مثل هذه المكتسبات، لا بد من أن نكون أهلا للأمانة وكذلك على قدر من المسؤولية".
http://www.al-jazirah.com/90170/ar3d.htm

وغداة الأحداث التي جرت في المدينة والرياض، كان الشيخ قد كتب أن "تجاوزات جهاز الدولة هذا وصلت إلى درجة غير مقبولة
".

Aucun commentaire: