6.10.08

لماذا يمنع غير المسلمين من دخول مكة المكرمة؟

د.حامد الرفاعي يجيب
رئيس الأديان في الخارجية الأمريكية يسأل ... لماذا يمنع غير المسلمين من دخول مكة ؟
تطرق الدكتور حامد الرفاعي رئيس المنتدى الإسلامي العالمي للحوار إلى قضية عدم السماح لغير المسلمين بدخول مكة إثر حديث تبادله في الفترة الأخيرة مع دبلوماسي أمريكي.

قال الدكتور: سألني السيد تومس فار/ رئيس لجنة الأديان في وزارة الخارجية الأمريكية قائلاً: أرجو أن لا أزعجكم لو سألتكم: لماذا تمنع المملكة العربية السعودية غير المسلمين من دخول مكة؟

أجبته بما يلي : أستأذن الزميل السائل بإدخال تعديل على صيغة السؤال ليصبح في نظرنا أكثر دقة وموضوعية... وسوف أجيب عليه دون حرج.

ابتسم السائل قائلاً: لا مانع من التعديل ما دام معنى السؤال هو نفسه.
فقلت له: التعديل لا يلغي مفهوم السؤال بل يدعمه دينيا.. ويكون التعديل كما يلي:ما هي المبِّررات الدينية التي تلزم السعودية باتخاذ قرارها بمنع غير المسلمين من دخول مكة..؟ إذن مفاد التعديل أن قرار المنع بشأن هذه المسألة يقوم على مبررات ونصوص دينية، تعني المسلمين عامة والسعودية خاصة ولا خيار لهم سوى الالتزام بها وتنفيذها، فالمنع ليس كما يتصوره البعض قراراً سياسياً من القيادة السعودية.. إن موقف السلطات السعودية تجاه مثل هذه المسائل الدينية يعكس في الواقع موقف كل مسلم، و ليس لها إلا الالتزام بالقواعد الدينية كما هي دون حذف أو زيادة... هذا التوضيح هو المبرر لطلب التعديل في السؤال. في حالة الاقتناع بهذا التعديل يصبح الحوار مركزاً على معرفة المبررات الدينية و مغزاها، ومن ثمّ فهم موقف المسلمين منها باعتباره موقفاً دينياً بحتاً، تمليه ضرورة الإيمان والاعتقاد الديني، شأنهم في ذلك شأن أهل الأديان الأخرى في موقفهم من مسائل الاعتقاد لديهم.. وليس كما يتوهم البعض أن الموقف تعصبي أو سياسي تمليه مفاهيم ضيقة.

ابتسم السائل ثانية و قال: لقد تفهمت التعديل ومبرراته.. وأنا جاهز لمعرفة الدوافع الدينية لقرار منع غير المسلمين من دخول مكة.

شكرته على تفهمه لتعديل السؤال و أكملت:
إن مكة المكرمة مكان عبادة. لا يقصدها المسلمون من غير أهلها ولا يدخلونها إلا للعبادة. والعبادة ليست مقصودة لذاتها بل لما تجلبه من منافع للمسلم. و لولا هدف العبادة والتعبد ، ولولا دعوة الله جلّ شأنه للمسلمين بالحج إليها، واعتبار الحج فريضة وركناً من أركان الإسلام، لما طمع أحد من المسلمين بالإقامة في مكة أو حتى زيارتها، ولما تأسست مكة من أصلها ولما كان لها وجود.

بكل المعايير المدنية والحضارية لا تمتلك مدينة مكة مقومات الوجود الحيوي المادي. جاء موقعها في وادٍ جاف تطوِّقه جبال عالية جرداء قاسية المراس. إن مبرِّر وجودها ديني بحت. كما أن تطوُّرها على مَرِّ الزمان كان لحاجات دينية، وزيارتها والتوجه إليها لمقاصد دينية، والسكن فيها لأسباب مرتبطة بأمور دينية خالصة. كل هذا مدون ومؤكد عليه في نصوص دينية من القرآن الكريم والسنة النبوية.
هاهي مكة اليوم من أجمل وأجل مدن العالم بفضل الحرص الشديد على تطورها والعناية الخاصة من قبل القيادة السعودية، التي بذلت الكثير ولا تزال كي تكتسي هذه المدينة الربَّانية المظهر الحضاري الذي يليق بقدسيتها ومكانتها في قلوب المسلمين قاطبة.
ولعظمة هذا المكان و قدسيَّته ، اختصه الله تعالى بآداب وأحكام ومراسيم محدَّدة، ورسم له حدودا جغرافية دينية تعبدية، وفق دوائر متعددةٍ تحيط بمدينة مكة. لكلِّ دائرة منها أحكامها الشرعية والتعبدية .وهذا ما يمـكن تسميته بالإنجليزية (Geo-religious) أي أن لكل دائرة جغرافية أحكامها الدينية. وعلى كل مسلم أن يلتزم بتلك الأحكام والآداب والقواعد، وأيُّ مخالفةٍ لذلك يترتب على المسلم بموجبها عقوبات دينية ومادَّيةٍ محددةٍ، مع وجوب التوبة إلى الله والاستغفار. أما الدوائر أو الحدود الجغرافية الدينية لمكة المكرمة فهي:
أ - دائرة المسجد الحرام.
ب - دائرة مكة المكرمة.
ج - دائرة الحدود المحلية للحرم المكي.
د - دائرة الحدود الدولية للحرم المكي.
هـ - دائرة ما وراء الحدود الدولية للحرم المكي.
لكل من الدوائر الخمس أحكامها الدينية والتعبدية والتي ينبغي على كل مسلم التقيد بها واحترامها وعدم مخالفتها. نذكر على سبيل المثال: إذا رغب مسلم في زيارة مكة فعليه أن يعرف حدود المنطقة التي سينطلق منها لأداء هذه الزيارة، ومن ثمّ معرفة الأحكام الدينية والشروط المطلوب توفرها لتكون زيارته مقبولة دينيا. لو كان مثلاً يعيش في دائرة ما وراء الحدود الدولية لمكة، ورغب في زيارة مكة فعليه إذا وصل الحدود الدولية أن يقوم بما يلي:1 خلع ملابسه العادية . 2 الاغتسال وإزالة الشعر من مواضع محددة من جسمه أن لزم ذلك . 3 لبس لباس الإحرام المعروف. 4 الوضوء وصلاة ركعتين . 5 إعلان قصده من الزيارة أهي للعمرة أم الحج؟ 6 يبدأ وبصوت مسموع لمن حوله بتلاوة النص الشرعي للتلبية وهو (لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إنَّ الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك).وفي حالة المخالفة لهذه الشروط أو لأحدها، يترتب على المسلم عقوبة بقدر نوع المخالفة، مع التوبة والاستغفار. وهذا يعني وبكلِّ وضوح أن مكة المكرمة ليست مدينة مفتوحة على الإطلاق وبدون شروط للمسلمين. ومن باب أولى أن لا تكون مفتوحةً على الإطلاق لغير المسلم. فمن أراد دخولها لابد له أن يلتزم بشروط وأحكام وترتيبات الزيارة.

رد السائل: لو قمت أنا شخصياً بالامتثال وتنفيذ هذه الشروط هل بإمكاني دخول مكة؟

أجبته: نعم ولن يستطيع أحد أن يمنعك من دخولها إذا قمت بتلبية هذه الشروط. نحن لسنا مكلفين بتقصي حقيقة ما في قلبك ومعرفة إن كان التزامك بالتعليمات بدافع الإيمان أم بدوافع أخرى. السبب بسيط: المسلمون مأمورون بالتعامل مع قضية الإيمان وفقا لما يتفوه به لسانهم وما يصدر عنهم من أعمال. أما حقيقة سريرتهم وما يحيك في صدورهم فهذا أمر يترك إلى الله تعالى، فهو سبحانه الذي يحكم على السرائر.

قال السائل: لقد بدأت أتفهم حقيقة موقفكم من منع غير المسلم من دخول مكة.. المبرَّرُ دينيً ومقنع.»
المرجع على الرابط :

Aucun commentaire: