9.10.08

السعودية في حرج شديد بعد فتوى دينية


بقلم حبيب طرابلسي

وجدت السعودية - وهي المملكة المحافظة الساعية للانفتاح - نفسها في وضع بالغ الحرج بعد أن أصدر أحد أعمدة النظام فتوى دينية تدعوا لقتل ملاّك بعض الفضائيات العربية التي تروّج "للخلاعة و المجون و المضحكات" بين المسلمين، إذا ما توفّرت شروط معيّنة.

ويقول صاحب الفتوى إن مالك الفضائية "المجرمة" يمكن قتله إذا لم يكن ممكنا منعه "بالإقناع" أو "بعقوبات ردعية بسيطة".
وفي هذه الحالة" فإن القضاء يجب أن يصدر حكمه استنادا على القوانين السارية المفعول في المملكة"، وتكمن أهمّية هذه الفتوى في أنّها صادرة عن الشيخ صالح اللّحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء وعضو المجلس الأعلى للعلماء وهما على التوالي أعلى هيئة قضائية و دينية في المملكة.

وللتذكير فإنّ السعودية تتبنى المذهب الوهّابي و هو مذهب إسلامي متزمّت يدعوا إلى التطبيق الحرفي للشريعة الإسلامية التي يستمدّ النظام منها مشروعيته.
ولذلك جاءت ردود الفعل صاخبة ضدّ صاحب الفتوى خاصّة في السعودية.

"هدية على طبق من ذهب للإرهابيين"

في سياق رده على هذه الفتوى حذّر المستشار في وزارة العدل الشيخ عبد المحسن العبيكان أن هذه الفتوى هي " هدية على طبق من ذهب للإرهابيين لقتل النّاس و تفجير المحطّات الفضائية" وأضاف قائلا "سيكون لهذه الفتوى تأثيرات سلبية هائلة على الدولة وعلى العدالة السعودية" متوقعا أن "يخلط أعداء المملكة و الإسلام بين الإسلام و الإرهاب".
و أردف قائلا الخطورة أن "الفتوى جاءت من رئيس المجلس الأعلى للقضاء". ودعي الشيخ العبيكان زملاءه المشايخ إلى الرّد على هذه الفتوى حتى "لا يُظن أنها تمثل موقف و سياسة العلماء في المملكة و الجهات الرّسمية السعودية".
والملاحظ أنّه حتى يوم الاثنين 15 سبتمبر لم يبد علماء الدين في السعودية أي موقف علني من الفتوى هذه.

"دعوة إلى تحجيم التيار الإسلامي المتشدد"

التيار الليبرالي من جهته ممثلا في الكاتب الصحفي تركي الحمد ندد بشدة "بهذه الدعوة العلنية للقتل" وطالب " أن تتمّ محاكمة اللحيدان وليس فقط تنحيته من مناصبه (...) لأنه نسف كل الجهود التي قامت بها السعودية للتعايش مع الآخر و لأنّه أساء لسمعة المملكة في الخارج"
وشدد حمد على القول بأنّ " كل من يحرّض على القتل فهو قاتل".
وخلص إلى أنه"يجب لجم وتحجيم التيار الإسلامي المتشدد".
ومن جهته اعتبر الصحفي سلامة الزبد أنّ "القضية بالغة الخطورة" و لاحظ أنّ و سائل الإعلام الأجنبية تلقفت هذا التصريح ووجدت فيه فرصة لصب مزيد من الزيت على النّار".

أحد المقربين من القاعدة يمتعض

الإدانة التي جوبهت بها الفتوى خاصة في الإعلام الغربي جعلت الشيخ حامد العلي و هو إسلامي كويتي يؤكّد على أنّ "الفتوى مطابقة تماما للشريعة الإسلامية" ويندد على موقعه على الإنترنت "بالصخب الإعلامي الذي أثاره التيار الليبرالي (السعودي) المدعوم غربيا والساعي إلى الإضرار بالإسلام(...) بواسطة المؤسسات الثقافية و الإعلامية و المراكز البحثية المتعددة في العالم الإسلامي"
وأضاف المنظّر الإسلامي يقول " الأشدّ غرابة أنّ الغربيين يصفقون للجرائم التي ترتكبها الولايات المتحدة في العالم الإسلامي باسم ما يسمّى بمكافحة الإرهاب".
والجدير بالذكر أنّ الشيخ العلي له مواقف تتماها مع مواقف رؤوس القاعدة.
ويعتبر تنظيم القاعدة الذي يتبنى المذهب الوهّابي الأصلي أنّ الهيئات الدينية الرّسمية السعودية الحالية، من أشدّ أعداءه لخضوعها الكامل للأسرة الحاكمة التي تتهم بدورها بأنّها خاضعة تماما للولايات المتحدة الأمريكية.

اللّحيدان يُبجل و فتواه تُبارك

إذا كان هناك من هاجم الشيخ اللحيدان فإنّ الذين ناصروه سواء على صفحات الصحافة أو على شبكة الإنترنت أكثر بكثير.
فلقد كتب سلمان بن أحمد بن عبد العزيز الدويش يقول" إن الذين قالوا بأن الفتوى تحريض على الإرهاب و خرق لحقوق الإنسان إنما أرادوا الفتنة" و أضاف " هؤلاء يستحقون أشد العقوبات التي تنص عليها الشريعة المطبقة في المملكة".
وأردف قائلا في مقال مكتوب " إنّ البغال الليبرالية الذين يسعون إلى المس بسمعة الشيخ اللحيدان بأن طالبوا بعزله و محاكمته إنما يحركهم دافع الانتقام من الشيخ الذي كشف مخططاتهم الإجرامية"
و الجدير بالذكر أن الذي استهل هذا الهجوم المضاد هو الشيخ محمد النجيمي، و هو رئيس قسم الدراسات المدنية بكلية فهد الأمنية، و عضو مجمّع الفقه الإسلامي، الذي اعتبر "أنّ الفتوى واضحة" لأنّ اللحيدان قدّم تفسيرا لأمر ذو طبيعة قضائية و قانونية و سيقول نفس الكلام في أي محكمة".
و أضاف "هناك قنوات فضائية تبثّ المجون و الخلاعة و الفساد" ملمّحاً إلى القنوات الفضائية المملوكة لرجال أعمال سعوديين، وبالأخص قنوات أم بي سي MBC التي يملكها وليد إبراهيم المقرّب من العائلة المالكة ومجموعة روتانا ROTANA التي يملكها الأمير الوليد بن طلال و الذي يملك أكثرية الأسهم في قناة LBC وقنوات أرت ART المملوكة بدورها لرجل أعمال سعودي هو الشيخ صالح كامل.

الفتوى هدية للمعارض سعد الفقيه اللاّجئ في بريطانيا

من جهته أكّد الدكتور سعد الفقيه رئيس حركة الإصلاح الإسلامية في لقاء أجرته معه قناة الحوار اللندنية أنّ "مسؤولين كبار من العائلة المالكة يمتلكون أسهما في هذه القنوات التي تلقى دعما ماليا و سياسيا سخيا من الدّولة".
وأردف يقول" هذه القنوات وفضائيات لبنانية أخرى لها اليد الطولى على الشارع في المملكة، فهي توظّف سعوديين من الجنسين ولها كل التسهيلات خاصة الإشهارية (...) إنّها قنوات تلقى معاملة كتلك التي تحصل عليها القنوات الرّسمية".
ويضيف الدكتور الفقيه " الشيخ اللحيدان و هو الشخصية الوحيدة التي لا تنتمي للأسرة المالكة و يتمتع بسلطة حقيقية ألمح علنا أن شخصيات نافذة داخل هذه الأسرة تساند الخلاعة و المجون؟ و هذا أمر عجيب". ويزيد العجب إذا ما علمنا – يذكر الدكتور الفقيه – أنّ الشيخ اللحيدان و منذ فترة طويلة يقدّم خدمات هائلة للنظام السعودي، فلقد أفتى باسم المجلس الأعلى للقضاء غداة حرب الخليج الثانية سنة 1991 بجواز نشر قوات أمريكية في المملكة مما اضطر يومها المفتي الأكبر الشيخ عبد العزيز بن باز أن يسايره في الفتوى التي تأخرت 24 ساعة كاملة.
"لاشكّ أنّ الدولة السعودية تجد نفسها في حرج، فالفتوى وضعتها أمام خياران أحلاهما مر: إما إبعاد هذا العالم و هو الذي يتمتع بمصداقية لدى التيارات الإسلامية التي مازالت وفية للنظام التي يستمدّ منها مصداقيته، و إمّا المخاطرة بالظهور أمام الغرب بأّنّ أعلى سلطة قضائية في هذا النّظام تدعوا للعنف و الإرهاب"
ويُضيف المعارض السعودي ساخرا "بالنسبة للغرب هناك دعوة رسمية للقتل ولا يهمه إذا ما كان هذا القتل يتم عن طريق القضاء".

إلاّ أنّ المحلل السياسي سليم عزوز يرى "أنّ النظام السعودي لا تزعجه فتوى الشيخ اللحيدان، فمنذ 11 سبتمبر 2001، و زواج المتعة بين الدين و الدولة في تباعد. الملك عبد الله يريد أن يقدم السعودية كبلد منفتح"( في إشارة منه لمؤتمر عالمي حول حوار الأديان نُظّم هذا الصيف في مدريد بمبادرة من العاهل السعودي و هو المؤتمر الذي دعى خاصة إلى اتفاق دولي لمكافحة الجذور العميقة للإرهاب) و أضاف السيد عزور الذي كان يتحدث من القاهرة "أعتقد أنه لولا وجود الحرمين (الحرم المكي و مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة) لسارعت السعودية إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل...ولكن هناك حدّ أدنى من الحياء الذي سيندثر مع الوقت".

حرر في 16 سبتمبر 2008

Aucun commentaire: